|
أحمد حلمي
سيف النصر
اللسان في أروع حالات ضبطه، لا يتفلّت، بل ترى أن صاحبه قد ألجمه بلجام ووثاق شديدين، فإذا الكلمات منتقاة موزونة نظيفة متوضئة طيبة مباركة، وبهذا يتحقق الإنسان بحقيقة الإسلام ففي الحديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
هذا مجرد نموذج لثمرة مباركة من ثمرات هذا الشهر الكريم، والثمرات كما قلنا كثيرة متعددة، وكل ثمرة تتوالد منها ثمرات أخرى، لصالح المجتمع والحياة كلها، والمهم أن على الإنسان أن يستفيد من هذا الشهر جيداً..
إن أخلاقيات رمضان تجعل المرء يسمو فوق الأهواء، وتجعله يرفرف في آفاق عليا فيغدو الإسلام حياً في واقع الناس، وبهذا يكون رمضان قد استطاع أن يقدح شرارة التفاعل مع تعاليم الإسلام كلها، فإذا بالإنسان يندفع في تلقائية إلى دوائر الخير ينافس فيها المتنافسين..
فإذا تصورنا أن مجتمعاً ما استمر على هذه الصورة الوضيئة النقية، بقية أشهر السنة، فإننا يمكن أن نقول: لقد استطاع الإسلام أن يصنع في دنيا الناس ملائكة يمشون على الأرض أرجلهم تطأ الثرى، وأرواحهم مشدودة إلى الملأ الأعلى، وخيرهم عام على الحياة
أولئك قومي بارك الله فيهمُ
على كل حالِ ما أعفّ وأكرما
إن ثمرات شهر رمضان وبركاته كثيرة ومتعددة، لو أحسن الإنسان فيه الإقبال على الله على الوجه الذي يريده الله عز وجل وكل هذه الثمرات تصب في النهاية لصالح هذا الإنسان، كلا، بل هي تتعداه لتفيض على أسرته وجيرانه، ودائرة عمله وهكذا تنداح الدائرة حيثما تحرك وسار.
تتجلى لك في نهار رمضان في هذا الإنسان: حكمة الشيوخ، ووقار العلماء، وخشوع العابدين، ورفرفة العارفين، ولكن العجب أن تجد البعض يتحلى بهذه الصفات العظيمة في النهار دون الليل، وفي رمضان دون بقية الأشهر: حيث ترى هذا البعض ما إن يعود من صلاة
سريعة جدا
للتراويح، حتى ينغمس في ملهيات كثيرة، أكثر ما فيها ليس سوى إعلان حرب على هذا الشهر الفضيل، وتبديد لثمراته في النفس وفي القلب..
وأكثر من هؤلاء البعض، هم الذين ينصرفون من صلاة العيد، ثم لا يعرفون الطريق إلى المساجد، حيث يضيع من بين أرجلهم الدرب كله، وينفلت الخيط من أيديهم، ويُسلِمون أنفسهم إلى شيطان الهوى يسوقهم إلى حيث يشاء.
إن على هؤلاء جميعاً أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها جيداً، فلعلهم يكتشفون أنهم يظنون القرب وهو في حقيقته بعد، ويظنون الوصل وهو إلى الانقطاع أقرب.. وسيكتشفون أن قلوبهم أشبه ما تكون بالقربة المقطوعة، يتسرب منها ما يتجمع فيها.. وإلا فلماذا ينصرفون عن الله بعد أن ارتبطوا به؟! ولماذا ينسون دروس رمضان بعد أن تخرجوا من دورته المكثفة؟
|